القرطبي
276
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والمعنيان مراد في الآية ، فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم . والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم ( 1 ) وممن أظهر إيمانه لكم . فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم . واللام في قوله ( لمن ) لام توكيد ، والثانية لام قسم ، و ( من ) في موضع نصب ، وصلتها ( ليبطئن ) لان فيه معنى اليمين ، والخبر ( منكم ) . وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي ( وإن منكم لمن ليبطئن ) بالتخفيف ، والمعنى واحد . وقيل : المراد بقوله ( وإن منكم لمن ليبطئن ) بعض المؤمنين ، لان الله خاطبهم بقوله : ( وإن منكم ) وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله ( وما هم منكم ( 2 ) ) وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره . وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الايمان . هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، والله أعلم . يدل عليه قوله : ( فان أصابتكم مصيبة ) أي قتل وهزيمة ( قال قد أنعم الله على ) يعني بالقعود ، وهذا لا يصدر إلا من منافق ، لا سيما في ذلك الزمان الكريم ، بعيد أن يقول مؤمن . وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن المنافقين ( إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لا توهما ولو حبوا ) الحديث . في رواية ( ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها ) يعني صلاة العشاء . يقول : لو لاح شئ من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه . وهو معنى قوله : ( ولئن أصابكم فضل من الله ) أي غنيمة وفتح ( ليقولن ) هذا المنافق قول نادم حاسد ( يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) ( كأن لم يكن ( 3 ) بينكم وبينه مودة ) فالكلام فيه تقديم وتأخير . وقيل : المعنى ( ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة ) أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد . وقيل : هو في موضع نصب على الحال . وقرأ الحسن ( ليقولن ) بضم اللام على معنى ( من ) ، لان معنى قوله ( لمن ليبطئن ) ليس يعني رجلا بعينه . ومن فتح اللام أعاد فوحد الضمير على لفظ ( من ) . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ( كأن لم تكن ) بالتاء على لفظ المودة . ومن قرأ بالياء ( 3 ) جعل مودة بمعنى الود . وقول المنافق ( يا ليتني كنت معهم ) على وجه الحسد أو الأسف
--> ( 1 ) في ج : جيشكم . ( 2 ) راجع ج 8 ص 164 ( 3 ) قرأ نافع بالياء وهي ما في الأصول .